مباشر
Ad

محمود السعيد.. العالم المجدد ورائد البحث العلمي في جامعة القاهرة

د.عمر البستنجي

د.عمر البستنجي

لم يتم إضافة نبذة تعريفية عن هذا الكاتب حتى الآن.

استمع إلى هذا المقال
00:00 / 00:00

محتوي المقالة

في عالم الأكاديميا، لا تقاس قيمة القيادات الجامعية بعدد المناصب التي شغلتها، وإنما بما تتركه من أثر في المؤسسة التي تقودها، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى مشروع، والبحث العلمي إلى قوة مؤثرة في صناعة المستقبل، ومن هذا المنظور، تبرز مسيرة الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، كواحدة من التجارب اللافتة في الإدارة الجامعية المصرية؛ مسيرة امتزج فيها التميز الأكاديمي بالعقلية الإدارية، وتحول فيها الباحث المتخصص إلى قائد يحمل مسؤولية تطوير منظومة البحث العلمي في واحدة من أعرق جامعات المنطقة.

بدأ الدكتور محمود السعيد رحلته من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي شكلت نقطة الانطلاق في مسيرته العلمية والمهنية، قبل أن يتدرج في السلم الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا متخصصًا في الإحصاء، ثم وكيلاً للكلية، وصولًا إلى منصب العميد عام 2018.

وخلال سنوات عمادته، لم يتعامل مع الكلية باعتبارها مؤسسة تعليمية تقليدية، وإنما باعتبارها منصة لإنتاج المعرفة، وبناء الباحث، وتعزيز حضور الجامعة المصرية في المشهد الأكاديمي الدولي.

كانت تجربة العمادة بالنسبة له أكثر من مجرد منصب إداري؛ فقد حملت ملامح مشروع لتجديد المؤسسة من الداخل، والارتقاء بمستوى التعليم والبحث العلمي، وتعزيز النشر الدولي، وتوسيع دوائر التعاون الأكاديمي، وترسيخ ثقافة الجودة والتنافس العلمي. ولذلك ارتبط اسمه في تلك المرحلة بصورة «العميد المجدد» الذي حاول أن يجعل التطوير ممارسة يومية لا شعارًا إداريًا، وأن يربط مكانة الكلية بقدرتها على إنتاج المعرفة والتأثير في المجتمع.

وتتجلى مكانة الدكتور محمود السعيد البحثية بصورة أكثر وضوحًا في إدراجه ضمن قائمة أفضل 2% من علماء العالم وفق تصنيف جامعة ستانفورد الأمريكية، وهو تصنيف عالمي يستند إلى مؤشرات الاستشهادات العلمية والتأثير البحثي، ويضم نخبة الباحثين الأكثر تأثيرًا في تخصصاتهم. ويعكس هذا الحضور الدولي مسيرة بحثية لم تتوقف عند حدود النشر العلمي المحلي، وإنما امتدت إلى الدوريات والمنصات الأكاديمية العالمية، ليصبح اسمه حاضرًا في خريطة البحث العلمي الدولي.

ولم يأتِ هذا التصنيف من فراغ؛ فقد راكم السعيد على مدار سنوات إنتاجًا بحثيًا في مجال الإحصاء وتطبيقاته، وحصد عددًا من الجوائز العلمية المرتبطة بالنشر الدولي والاستشهادات البحثية والتميز الأكاديمي. كما ارتبط اسمه بجهود نشر ثقافة البحث العلمي وتطوير أدواته، سواء من خلال مؤلفاته أو إشرافه الأكاديمي أو مسؤولياته القيادية في الدراسات العليا والبحوث.

وتزداد دلالة هذا الإنجاز عندما نضعه في سياق موقعه القيادي الحالي؛ فالرجل الذي وصل إلى قائمة أفضل 2% من علماء العالم لم يعد مسؤولًا عن إنتاج المعرفة فحسب، وإنما أصبح في موقع يمكنه من المساهمة في رسم سياسات البحث العلمي وإدارة منظومة الدراسات العليا في جامعة القاهرة، بما يجعل تجربته نموذجًا لانتقال الباحث المتميز من دائرة الإنجاز الفردي إلى دائرة التأثير المؤسسي.

لكن القوة الحقيقية في تجربة محمود السعيد لا تكمن فقط في نجاحه الإداري، وإنما في أنه جاء إلى الإدارة من قلب البحث العلمي، فهو قبل أن يكون قياديا جامعيا كان باحثا وأستاذًا أكاديميًا، وله إسهامات بحثية في مجال الإحصاء وتطبيقاته، ونشر علمي في دوريات دولية، وحضور في قواعد البيانات والتصنيفات البحثية العالمية، وقد انعكس هذا المسار في حصوله على عدد من الجوائز والتكريمات العلمية، من بينها جوائز مرتبطة بالنشر الدولي والاستشهادات البحثية والتميز العلمي.

وتكشف مسيرته عن نموذج مختلف للقيادة الجامعية؛ نموذج لا يرى أن الإدارة منفصلة عن العلم، بل يعتبر أن قوة القرار الإداري تنبع من فهم عميق للبحث والمعرفة واحتياجات الباحثين. ومن هنا تبدو تجربته في إدارة ملف الدراسات العليا والبحوث امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الطويلة، وليس انتقالًا من مجال إلى آخر.

وفي أغسطس 2023، جاء تعيينه نائبًا لرئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث ليضع أمامه مسؤولية أكبر بكثير من إدارة كلية واحدة. فقد انتقل من قيادة مؤسسة أكاديمية متخصصة إلى المشاركة في إدارة ملف يمس جوهر الجامعة نفسها: إعداد الباحثين، وتطوير الدراسات العليا، وتحفيز الإنتاج العلمي، ودعم النشر الدولي، وتعزيز قدرة الجامعة على المنافسة في التصنيفات والمؤشرات العالمية.

ويمثل هذا الموقع محطة مهمة في مسيرته؛ فجامعة القاهرة ليست مجرد جامعة مصرية عريقة، وإنما مؤسسة علمية ذات ثقل إقليمي ودولي، ومن ثم فإن إدارة ملف البحث العلمي فيها تتطلب رؤية تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى بناء منظومة متكاملة تجعل الجامعة أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة الاقتصاد والمجتمع.

ويملك محمود السعيد، بحكم تكوينه العلمي وخبرته الأكاديمية، رؤية تقوم على أهمية البيانات والمنهجية والتحليل في صناعة القرار، وربما كان تخصصه في الإحصاء أحد العوامل التي شكلت طريقته في التفكير؛ إذ إن الإحصاء في جوهره ليس مجرد أرقام، وإنما أداة لفهم الواقع، واكتشاف الاتجاهات، وقياس الأداء، وبناء القرارات على الأدلة.

ومن هنا يمكن فهم اهتمامه المتزايد بقضايا البحث العلمي وجودته، وبناء قدرات الباحثين، وتطوير أدوات الكتابة العلمية، والارتقاء بمستوى الدراسات العليا. فالمعادلة بالنسبة له لا تتوقف عند زيادة عدد الأبحاث المنشورة، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تضيف هذه الأبحاث إلى المعرفة؟ وكيف يمكن أن تتحول الجامعة من مستهلك للمعرفة إلى منتج ومصدر لها؟.

ولم يكن اهتمامه بالبحث العلمي منفصلًا عن اهتمامه بقضايا الجامعة والتنمية؛ فقد امتد إنتاجه الفكري إلى قضايا أوسع تتصل بمكانة الجامعات المصرية وقدرتها على المنافسة العالمية ودورها في التنمية. وهي زاوية تكشف عن عقل أكاديمي لا يحصر الجامعة داخل أسوارها، وإنما ينظر إليها باعتبارها أحد أهم محركات الاقتصاد القائم على المعرفة.

وربما تكمن إحدى أهم سمات تجربة محمود السعيد في قدرته على الجمع بين ثلاثة أدوار قلما تجتمع بالدرجة نفسها: الباحث الذي يعرف قيمة الورقة العلمية، والأستاذ الذي يدرك احتياجات الطلاب والباحثين، والإداري الذي يعرف كيف تتحول الأفكار إلى سياسات ومشروعات.

ولهذا فإن مسيرته داخل جامعة القاهرة يمكن قراءتها باعتبارها رحلة صعود أكاديمي متدرج، بدأت من قاعات الدراسة والبحث، مرورًا بالمسؤوليات الأكاديمية، ثم قيادة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وصولًا إلى أحد أهم المواقع القيادية في الجامعة.

إن الدكتور محمود السعيد ليس مجرد نائب لرئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث؛ بل هو نموذج لقيادي خرج من رحم البحث العلمي ليقود أحد أهم ملفاته. وبينما تتنافس الجامعات اليوم على المعرفة والابتكار والباحثين والتصنيفات الدولية، تصبح قيمة القيادات التي تدرك أن البحث العلمي ليس ترفًا أكاديميًا، وإنما استثمار استراتيجي في رأس المال البشري، أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومن كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث صنع تجربته كـ«عميد مجدد»، إلى موقع نائب رئيس جامعة القاهرة، حيث يحمل مسؤولية ملف البحث العلمي والدراسات العليا، تبدو رحلة محمود السعيد عنوانًا لمسار أكاديمي يقوم على قاعدة واضحة: أن الجامعة القوية تبدأ من باحث قوي، وأن البحث العلمي الحقيقي هو أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والتنموية للدولة.

وهكذا يواصل محمود السعيد حضوره في المشهد الجامعي المصري، لا باعتباره صاحب منصب فحسب، وإنما باعتباره أحد الوجوه الأكاديمية التي جعلت من البحث العلمي محورًا لمسيرتها، ومن التطوير المؤسسي مشروعًا مستمرًا، ومن الجامعة مساحة لإنتاج المعرفة وبناء المستقبل.

الأكثر قراءة

تحميل تطبيق الهاتف

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية

استطلاع الرأي

منصة عربية اقتصادية دولية تقدم رؤية استراتيجية وتحليلات معمقة
كافة العلامات التجارية الخاصة بـ Economistarabia وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية هي ملك لشركة Eprcen الدولية ولا تستخدم إلا بتصريح مسبق ©
تم تصميمه وتطويره بواسطة www.enogeek.com