مباشر
Ad

الاقتصاد الأردني.. إصلاح هادئ برؤية ملكية

د.عمر البستنجي

د.عمر البستنجي

لم يتم إضافة نبذة تعريفية عن هذا الكاتب حتى الآن.

استمع إلى هذا المقال
00:00 / 00:00

محتوي المقالة

في منطقة تعيش على وقع أزمات متلاحقة وتحولات اقتصادية وجيوسياسية عميقة، استطاع الاقتصاد الاردني خلال السنوات الماضية أن يحافظ على قدر لافت من التماسك والاستقرار، وأن يواصل مسار الاصلاح رغم ضغوط خارجية وداخلية متزايدة، وهي تجربة تعكس بوضوح أهمية الرؤية الملكية التي تعاملت مع الاقتصاد باعتباره ركيزة اساسية في مشروع تحديث الدولة وبناء مستقبل اكثر قدرة على مواجهة المتغيرات.

ولم يكن الطريق سهلا أمام الاردن، فاقتصاده واجه خلال السنوات الماضية تداعيات جائحة كورونا واضطرابات المنطقة وتراجع حركة السياحة في فترات مختلفة وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتجارة، إلى جانب الضغوط التي فرضتها التطورات الاقليمية، ومع ذلك نجحت الدولة في الحفاظ على استقرار السياسة النقدية والمالية ومواصلة تنفيذ برامج الاصلاح دون السماح للصدمات المتتالية بأن تعطل المسار الاقتصادي العام.

وتكمن اهمية الرؤية الملكية في انها لم تتعامل مع الاصلاح باعتباره اجراء مؤقتا لمعالجة ازمة مالية، وانما باعتباره مشروعا متكاملا لاعادة بناء الاقتصاد على اسس اكثر انتاجية وتنافسية، وهو ما ظهر بوضوح في رؤية التحديث الاقتصادي التي تستهدف توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي ورفع القدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز دور القطاع الخاص وخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وقد اثبتت التجربة ان الاستقرار الذي حافظ عليه الاردن لم يكن نتيجة غياب التحديات، بل نتيجة ادارة هذه التحديات بصورة متدرجة ومدروسة، فقد تمكن الاقتصاد من الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة نسبيا واستقرار نقدي مهم، في الوقت الذي واصلت فيه الحكومة تنفيذ اصلاحات تستهدف تحسين كفاءة المالية العامة وتعزيز بيئة الاستثمار ودعم القطاعات القادرة على توليد فرص العمل والنمو.

ومن المهم هنا التوقف امام طبيعة النمو الاقتصادي الاردني، فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على تحقيق معدل نمو مرتفع في المدى القصير، وانما على بناء اقتصاد يستطيع الاستمرار في النمو رغم الصدمات، وهذا يتطلب اصلاحات في بيئة الاعمال وسوق العمل والتعليم والبنية التحتية والقطاعات الانتاجية، وهي الملفات التي تحظى بمساحة كبيرة داخل الرؤية الاقتصادية الاردنية.

ويبرز القطاع الخاص باعتباره احد اهم مفاتيح المرحلة المقبلة، فخلق فرص العمل المستدامة وزيادة الاستثمارات وتحسين الانتاجية لن يتحقق من خلال الانفاق الحكومي وحده، وانما يحتاج إلى قطاع خاص اكثر قدرة على التوسع والاستثمار والمنافسة، ولذلك فان توجه الاردن نحو تحسين بيئة الاعمال وتسهيل الاستثمار وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثل خطوة ضرورية لبناء نموذج نمو اكثر استدامة.

كما ان الاصلاح المالي اكتسب اهمية خاصة خلال السنوات الماضية، ليس فقط بهدف ضبط العجز والدين العام، وانما من اجل بناء ادارة اكثر كفاءة للموارد العامة وتوجيه الانفاق نحو القطاعات التي يمكن ان ترفع القدرة الانتاجية للاقتصاد، وهو ما يجعل الاصلاح المالي جزءا من عملية التنمية وليس مجرد سياسة لتقليص النفقات.

وتكتسب هذه الجهود اهمية اكبر عندما توضع في سياق الظروف الاقليمية المحيطة بالاردن، فالمملكة تقع في منطقة شديدة الحساسية وتتأثر بصورة مباشرة بالتطورات السياسية والاقتصادية المحيطة بها، ومع ذلك استطاعت الحفاظ على درجة مهمة من الثقة والاستقرار، وهو عامل بالغ الاهمية بالنسبة للمستثمرين وللقطاع الخاص وللمؤسسات المالية الدولية.

وقد انعكس هذا الاستقرار على نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد الاردني، حيث واصل صندوق النقد الدولي الاشادة بالسياسات الاقتصادية التي تنتهجها المملكة وبقدرتها على تنفيذ الاصلاحات والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي رغم الصدمات الاقليمية، وهو ما يمثل شهادة مهمة على جدية المسار الذي تتبناه الدولة خلال السنوات الماضية.

لكن النجاح الحقيقي للرؤية الملكية لن يقاس فقط بقدرة الاردن على تجاوز الازمات، وانما بقدرته على تحويل الاستقرار الذي تحقق إلى نمو اسرع وفرص عمل اكثر واستثمارات جديدة، ولذلك فان المرحلة المقبلة تحتاج إلى تسريع الاصلاحات الهيكلية وزيادة الانتاجية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتطوير الاقتصاد الرقمي وتعزيز الصادرات والسياحة والصناعات ذات القيمة المضافة.

كما ان الاستثمار في الانسان سيظل عاملا حاسما في نجاح هذا المسار، فاقتصاد المستقبل لا يعتمد فقط على رأس المال والبنية التحتية، وانما يحتاج إلى قوة عمل تمتلك المهارات التي تتطلبها القطاعات الجديدة، وهو ما يجعل تطوير التعليم والتدريب وربط مخرجاتهما باحتياجات سوق العمل من اهم الملفات التي يمكن ان تحدد قدرة الاقتصاد الاردني على تحقيق اهدافه خلال السنوات المقبلة.

واللافت في التجربة الاردنية ان الاصلاح الاقتصادي لم يقدم باعتباره وصفة سريعة، وانما كعملية تراكمية تحتاج إلى الاستمرارية والانضباط والصبر، وهذه ربما تكون احدى اهم نقاط القوة في الرؤية الملكية، فالاقتصادات لا تتغير بقرارات منفردة، وانما من خلال تراكم السياسات والاصلاحات وبناء المؤسسات وتحسين بيئة الاستثمار على مدى سنوات.

وبالنظر إلى ما تحقق خلال الفترة الماضية، يمكن القول ان الاردن نجح في تثبيت قاعدة اقتصادية مهمة مكنته من التعامل مع بيئة اقليمية شديدة الصعوبة، وحافظ في الوقت نفسه على مسار الاصلاح والتحديث، وهي نتيجة تستحق الاشادة لانها تؤكد ان الاستقرار الاقتصادي ليس امرا تلقائيا، وانما نتيجة مباشرة لسياسات رشيدة وقدرة مؤسسية ورؤية واضحة للمستقبل.

ويبقى التحدي الاكبر امام الاقتصاد الاردني هو الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة الانطلاق، ومن الحفاظ على الاستقرار إلى توظيفه في صناعة فرص جديدة للنمو والاستثمار والتشغيل، وهو تحد كبير لكنه ليس مستحيلا، خصوصا في ظل وجود رؤية اقتصادية واضحة ومسار اصلاحي مستمر ودعم مؤسسي وسياسي يمنح عملية التحديث القدرة على الاستمرار.

وفي المحصلة، فان التجربة الاردنية خلال السنوات الماضية تقدم نموذجا مهما في كيفية ادارة اقتصاد صغير ومفتوح داخل بيئة اقليمية مضطربة، فقد استطاعت المملكة ان تحافظ على استقرارها وان تواصل الاصلاح وان تضع القطاع الخاص والاستثمار والانتاجية وفرص العمل في قلب رؤيتها للمستقبل، لتؤكد ان الرؤية الملكية للاصلاح لم تكن مجرد شعار اقتصادي، وانما مسار عملي يستهدف بناء اقتصاد اكثر قوة ومرونة وقدرة على المنافسة وصناعة مستقبل افضل للاجيال القادمة.

الأكثر قراءة

تحميل تطبيق الهاتف

اشترك الآن بالنشرة الإخبارية

استطلاع الرأي

منصة عربية اقتصادية دولية تقدم رؤية استراتيجية وتحليلات معمقة
كافة العلامات التجارية الخاصة بـ Economistarabia وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية هي ملك لشركة Eprcen الدولية ولا تستخدم إلا بتصريح مسبق ©
تم تصميمه وتطويره بواسطة www.enogeek.com