من طالب أردني غادر بلاده في سن مبكرة إلى الاتحاد السوفيتي بحثًا عن العلم، إلى رجل أعمال بنى ثروة بمليارات الدولارات ثم عاد إلى الأردن ليؤسس واحدة من أكبر المجموعات الصناعية الخاصة في المملكة، تبدو رحلة زياد المناصير أقرب إلى قصة صعود اقتصادي عابرة للحدود منها إلى مسيرة رجل أعمال تقليدية.
وُلد زياد المناصير في عمّان عام 1965، وغادر الأردن في سن الثامنة عشرة متجهًا إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة هندسة النفط. وهناك لم يكتفِ بالدراسة، بل بدأ مبكرًا في ممارسة التجارة والاستثمار، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى قطاعات الطاقة والإنشاءات. وتذكر فوربس الشرق الأوسط أن تجربته الروسية كانت نقطة الانطلاق الأساسية في بناء ثروته وخبرته الاستثمارية.
وفي عام 1994 أسس المناصير في روسيا شركة ستروي غاز كونسالتينج، التي توسعت في أعمال الإنشاءات والطاقة، ودخلت في مشروعات كبيرة، لتتحول التجربة الروسية إلى مرحلة حاسمة في تكوين رأس المال والخبرة اللذين سيعود بهما لاحقًا إلى الأردن.
لكن التحول الأهم جاء عام 1999، عندما عاد المناصير إلى الأردن وأسس مجموعة المناصير، التي بدأت شركة صغيرة لتوزيع المواد الكيميائية والأسمدة بعدد لا يتجاوز 15 موظفًا، قبل أن تتحول خلال أقل من ثلاثة عقود إلى مجموعة اقتصادية ضخمة متعددة القطاعات.
اليوم، تضم المجموعة أكثر من 40 شركة، وتعمل في قطاعات تمتد من مواد البناء والأسمنت والكيماويات إلى الطاقة والتعدين والأسمدة والنقل والحلول الصناعية والتكنولوجيا الزراعية، فيما يتجاوز عدد العاملين فيها 10 آلاف موظف. وتضعها فوربس ضمن أبرز الشركات العائلية العربية، إذ احتلت المرتبة 46 في قائمة 2026 لأقوى 100 شركة عائلية عربية.
ولم يكن توسع المناصير قائمًا على قطاع واحد؛ ففلسفته الاستثمارية اعتمدت على التنويع، باعتباره وسيلة لمواجهة تقلبات الأسواق والدورات الاقتصادية. وانعكس ذلك في انتقال المجموعة من التجارة إلى التصنيع والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية وغيرها من الأنشطة، لتصبح أعمالها جزءًا من قطاعات استراتيجية في الاقتصاد الأردني.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت المجموعة سياسة التوسع والاستحواذ؛ ففي أكتوبر 2025 استحوذت على شركة القدس للتنمية والاستثمار، المالكة لكلية لومينوس الجامعية التقنية ولومينوس للتكنولوجيا، كما استحوذت شركة آفاق للطاقة التابعة لها على شركة سنترال غاز، بينما استحوذ مجمع المناصير الصناعي في ديسمبر 2025 على حصة تبلغ 50.3% من شركة مصانع الأسمنت الأردنية، التابعة سابقًا لشركة لافارج هولسيم.
وتكشف هذه التحركات عن طبيعة المشروع الذي بناه المناصير: لم يعد مجرد مجموعة شركات تعمل في مجالات متفرقة، وإنما منصة صناعية واستثمارية واسعة تسعى إلى الإمساك بعدد من حلقات الاقتصاد الحقيقي، من الطاقة والمواد الخام إلى التصنيع والبناء والنقل والتعليم التقني.
وتحمل مسيرته أيضًا فصلًا مهمًا في سجلات الثروة العالمية؛ فقد ظهر اسمه في قائمة فوربس للمليارديرات لعدة سنوات عندما كان نشاطه الاقتصادي في روسيا في أوجه. وبلغت ثروته وفق قوائم فوربس 2.1 مليار دولار في 2011، ثم ارتفعت إلى 2.5 مليار دولار في 2013، وبلغت ذروتها عند 2.8 مليار دولار في 2014، قبل أن تسجل 1.1 مليار دولار في 2015، وهو آخر عام ظهر فيه على قائمة المليارديرات.
غير أن قصة المناصير لا تختصر في رقم الثروة. فاللافت فيها هو انتقال مركز الثقل من بناء الثروة في الخارج إلى إعادة استثمارها في الأردن. وبعد سنوات من النجاح في روسيا، عاد إلى بلاده حاملاً خبرة دولية ورأس مال مكّناه من تأسيس مجموعة أصبحت من أبرز مؤسسات القطاع الخاص الأردني.
وفي عام 2026، جاءت مجموعة المناصير ضمن قائمة فوربس لأقوى الشركات العائلية العربية، فيما خصصت فوربس الشرق الأوسط غلافًا وملفًا موسعًا للمناصير، مسلطة الضوء على خطط استثمارية جديدة للمجموعة بقيمة تصل إلى 1.5 مليار دولار.
وهكذا، فإن قصة زياد المناصير تقدم نموذجًا مختلفًا لرجل الأعمال العربي: بدأ من خارج الأردن، صنع ثروته في سوق دولية شديدة المنافسة، ثم عاد إلى بلاده ليضع جزءًا كبيرًا من تجربته ورأس ماله في بناء منظومة صناعية واستثمارية واسعة.
من طالب هندسة نفط غادر عمّان في الثامنة عشرة، إلى ملياردير ظهر اسمه في قوائم فوربس، ثم إلى مؤسس مجموعة توظف أكثر من عشرة آلاف شخص وتستثمر في قطاعات استراتيجية، تختصر رحلة زياد المناصير فكرة واحدة: الثروة التي تُبنى بالجرأة قد تصنع رجل أعمال، لكن القدرة على تحويلها إلى صناعة واستثمار وفرص عمل هي التي تصنع إمبراطورية اقتصادية.






