لم يعد الحديث عن الاقتصاد المصري اليوم مجرد حديث عن تجاوز أزمة عابرة، وإنما أصبح أقرب إلى قراءة تجربة اقتصادية استطاعت خلال فترة شديدة التعقيد أن تنتقل من مرحلة الضغط على الموارد والعملة والأسواق إلى مرحلة أكثر وضوحا في استعادة الاستقرار وبناء القدرة على النمو.
فمصر واجهت خلال السنوات الماضية سلسلة متزامنة من الصدمات، بدأت باضطرابات الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وضغوط أسواق الصرف والتمويل، ثم امتدت إلى تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ومع ذلك تمكن الاقتصاد المصري من الحفاظ على تماسكه والعودة تدريجيا إلى مسار النمو.
وتكشف أحدث بيانات صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي سجل نموا بلغ 4.4% خلال السنة المالية 2024/2025، مقابل 2.2% فقط في 2022/2023، بينما ارتفع النمو إلى 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، وبلغ متوسط النمو خلال الأشهر التسعة الأولى 5.2%. ويقدر الصندوق نمو الاقتصاد بنحو 4.6% خلال السنة المالية 2025/2026.
والأهم أن هذا التحسن لم يأت من عامل واحد، بل من مجموعة متكاملة من الإجراءات والسياسات التي أعادت قدرًا أكبر من التوازن إلى الاقتصاد، فقد ساهم تبني سياسة نقدية أكثر تشددا، إلى جانب مرونة سعر الصرف، في معالجة الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات السابقة، بينما ساعدت إجراءات ضبط المالية العامة وزيادة الإيرادات على تحسين مؤشرات المالية الحكومية، ويشير صندوق النقد إلى أن التضخم السنوي الأساسي والعام انخفضا إلى 11.2% و11.9% على التوالي في يناير 2026، مقارنة بنحو 24% في يناير 2025.
كما أن أحد أبرز مؤشرات التحسن يتمثل في عودة الثقة تدريجيا إلى الاقتصاد المصري، فقد شهدت التدفقات الاستثمارية الأجنبية تحسنا، كما ارتفعت تدفقات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات السياحة، وساهم تحسن تدفقات النقد الأجنبي في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الضغوط الخارجية. وبحسب أحدث مراجعة لصندوق النقد، وصلت الاحتياطيات الدولية الإجمالية إلى مستوى قوي، وبلغت في نهاية يونيو 2026 نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات المستخدم لدى الصندوق.
ولعل اللافت في التجربة المصرية أن الاستثمار الخاص بدأ يستعيد دوره بصورة أكثر قوة. فقد قدر صندوق النقد نمو الاستثمار الخاص الحقيقي بنحو 24.4% على أساس سنوي خلال السنة المالية 2024/2025، وهو تطور بالغ الأهمية لأن نجاح أي برنامج إصلاح اقتصادي لا يقاس فقط بقدرة الدولة على ضبط المؤشرات الكلية، وإنما بقدرتها على خلق بيئة تجعل القطاع الخاص أكثر قدرة على الاستثمار والإنتاج والتوظيف والتصدير.
وتأتي قطاعات الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مقدمة المجالات القادرة على قيادة المرحلة الجديدة من النمو، فمصر تمتلك سوقا محلية ضخمة، وموقعا جغرافيا استثنائيا، وقاعدة صناعية واسعة، وقناة السويس، وقطاعا سياحيا يتمتع بإمكانات هائلة، إلى جانب قوة بشرية كبيرة يمكن أن تتحول إلى ميزة تنافسية عالمية إذا ارتبطت بالتعليم والتدريب والتكنولوجيا.
ومن زاوية أخرى، فإن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية. فقد دخلت مصر فترة التوترات الإقليمية الأخيرة وهي في وضع اقتصادي أكثر قوة مقارنة بفترات سابقة، وفقا لصندوق النقد الدولي، مع نمو اقتصادي أفضل، وتراجع في التضخم، وارتفاع في الاحتياطيات، وتحسن في الرصيد الأولي للموازنة، كما ساعدت مرونة سعر الصرف والإجراءات المالية والنقدية على الحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي.
ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح خاليا من التحديات. فالدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة، وضرورة تسريع برنامج الطروحات، وزيادة مساحة القطاع الخاص، وخفض تكلفة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، تظل ملفات حاسمة في المرحلة المقبلة، وقد أكد صندوق النقد أن تسريع الإصلاحات الهيكلية وتقليص البصمة الاقتصادية للدولة وخلق مساحة أكبر للقطاع الخاص يظل ضروريا لتحقيق نمو مستدام.
لكن الإنصاف الاقتصادي يقتضي النظر إلى الصورة كاملة، وليس إلى مؤشر واحد بمعزل عن بقية المؤشرات. فالاقتصاد الذي كان يواجه ضغوطا متزامنة على النقد الأجنبي والأسعار والتمويل والنمو، استطاع أن يستعيد قدرا مهما من الاستقرار، ويعيد بناء الاحتياطيات، ويخفض التضخم مقارنة بمستوياته السابقة، ويستعيد النمو، ويجذب مزيدا من الاستثمار، ويحافظ على قدرته على الوفاء بالتزاماته الخارجية.
إن نجاح الاقتصاد المصري لا ينبغي أن يفهم باعتباره وصولا إلى خط النهاية، وإنما باعتباره نجاحا في إعادة الاقتصاد إلى مسار أكثر استقرارا وقدرة على النمو. والتحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذا الاستقرار الكلي إلى نمو يشعر المواطن بآثاره بصورة أكبر، من خلال زيادة الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتحسين الأجور الحقيقية، وتوسيع قاعدة التصدير، وتعميق الصناعة، وتشجيع الاستثمار الخاص.
ومصر تمتلك بالفعل مقومات تجعلها قادرة على تحقيق ذلك. فالموقع الجغرافي، وحجم السوق، والبنية التحتية التي شهدت توسعا كبيرا، والموارد البشرية، والسياحة، وقناة السويس، والطاقة، والاتصالات، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى محركات قوية للنمو إذا جرى استثمارها ضمن رؤية اقتصادية تضع الإنتاج والتصدير والقطاع الخاص في قلب المعادلة.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية: مصر لم تعد تدير الأزمة فقط، بل بدأت تبني اقتصادا أكثر قدرة على تحمل الصدمات وتحقيق النمو. والأرقام الأخيرة تؤكد أن مسار الإصلاح الاقتصادي بدأ ينتقل من مرحلة تثبيت الأوضاع إلى مرحلة استعادة النمو، ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا المسار وتسريع الإصلاحات التي تجعل ثمار النمو أكثر اتساعا واستدامة.






